أخبار وطنية ثورة و إن فشلت.. بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
ما إن يحلّ 17 ديسمبر و14 جانفي تنبري الأقلام من كل مستوى و كل حدب تحلّل و"تريّش" في ما عرفته تونس منذ أواخر 2010 و حتى 3 سنوات تقريبا تلتها مصطلحات لها دلالات تختلف باختلاف حقول المعرفة والمدارس الفكرية والتاريخية والمجال لا يسمح هنا بتحديد فحوى مصطلح "ثورة"..
والذي يهمنا انه هنالك الكثيرون من يرون انّ أي حراك ثوري لا يُثمر تنتفي عنه تسمية ثورة و يغيب عنهم ان الثورات التي فشلت في التاريخ هي اكثر من الثورات التي نجحت و رغم ذلك تسمى ثورات و ليس بالضرورة ان الانقلاب الثوري يجب ان يكون دائما شاملا للبنى التحتية والبنى الفوقية لمجتمع ما و انقلابا طبقيا في مستوى السلطة و توزيع الثروة والملكية حتى نسمي "ما وقع من احداث" ثورة.
و لن اطيل لنصل الى تأكيد رأي دافعنا عنه منذ 2011 و كتبنا فيه (وكتب فيه مؤرخون غيرنا) مفاده أن ما عرفته تونس كان ثورة لكن ثورة تنقصها شروط النجاح (النظرية الثورية والطبقة او الفئة القائدة والجهازالمسلح للدفاع عن مصالحها) -راجع كتابنا "الثورة في عيني مؤرخ"- و حملت مضامين ثورية في عمقها وهي العدالة الاجتماعية والحرية و رفض الاستبداد و الفساد و شاركت فيها شرائح اجتماعية واسعة و شملت جغرافية تونس كاملة بجهاتها وكانت احداثها يومية تقريبا واخذت اشكالا متنوعة من الاحتجاج السلمي الى الاحتجاج العنيف و من الاضراب العفوي الى الاضراب السياسي. هذا ما وقع و نسميه ثورة.
لكن الذي وقع ايضا انّ الحراك الثوري هذا لم يكن من الاستقلالية الذاتية ولا من إحكام القيادة (الغائبة اصلا) حتى يتحكم في مآلاته كاملا حيث كان هنالك فعلا متدخلون في الأحداث وهم ليسوا لا من دبّروا احداث الحراك الثوري ولا من الدافعين اليه و لا من صنعوه لا موضوعيا و لا ذاتيا ، فقط سايروا الأحداث ووجهوها لما خططوا له خدمة لمصالحهم.
اولهم من (التونسيين ومن جهاز النظام ذاته) كانوا يخططون للاطاحة ببن علي ومحضييه من الطرابلسية وتعويضه باحد وزرائه في تفاهم مسبق مع المخابرات الأمريكية وفشل مخططهم في خضم الأحداث التي فرضها المسار الثوري والثانين المتدخلين لكن بتوجيه و تخطيط دائما من الأمريكان في اطار مشروع "الربيع العربي واعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط الكبير" هم "الإخوان المسلمين" (جماعة النهضة) و فلول السلفيين الآخرين و بدعم وكلاء الامريكيين أي قطر وتركيا اساسا ، الذين أعدّوا و دعّموا ماليا و سياسيا الإسلام السياسي لاختطاف المسار الثوري الذي لم يكونوا يوما لا من دافعيه ولا من المشاركين فيه اصلا لا قواعد ولا قيادات والتي لم تعد للبلاد الا بعد سقوط بن علي حيث تصدّرت الساحة السياسية مستغلة غباء وسذاجة القوى الديمقراطية واليسارية فعلا و جارتها في الانقضاض على السلطة و تعبيد الطريق لها بصياغة دستور و قانون انتخابي على المقاس و سن العديد من النصوص القانونية و القرارات كان اخطرها "العفو التشريعي العام" والسماح لفلول الاسلام السياسي و غيرهم بالتنظم و تشتيت القوى الوطنية.
خلاصة الأمر انّ دستور جوان 2014 اغلق قوس الثورة وان حصل ترميم للواجهة السياسية للحكم من اجراء انتخابات متتالية على علاتها اواقرار حرية التنظم السياسي والمدني و حرية الاعلام .
لكن و الأهم لم تتحقق لا الكرامة ولا التشغيل ولا انصاف الجهات المحرومة ولا تحسنت حالة الناس بل زادت أوضاعهم بؤسا وضعفت الدولة واستشرت الفوضى وانعدام الأمن و خاصة حضور الارهاب كعنف وكفكر وارتهنت السيادة الوطنية اكثر واغرقت البلاد في الديون واصبح حكم البلاد بيد اشخاص لا كفاءة ولا وطنية ولا مروءة وهم في حكم المافيا السياسية.
لكل هذه النتائج انبرى الذين لم يكونوا يوما متماهين مع الحراك الثوري اما لأنهم كانوا منتفعين من نظام بن علي او جبناء حتى لرفع إصبع أوتحريك لسان يشتمون "فاعلي" الثورة وجعلوا منهم "قطاع طرق و سراق" والتحق بهم من يشتمون الثورة و "البوعزيزي" و "جد بو الثورة" كل من كان يتصور انّ الثورة ستأتيه بالرخاء والكرامة فوجد نفسه يغرق في البؤس الدائم و طبعا الكثيرون الآخرون الذين اكتشفوا انفسهم اما ثوريين اكثر من الثوريين ذاتهم أو جهابذ تحليل و كرونيكاريين لا يشق لهم غبار فطفقوا يتفّهون ما فعله التونسيون و خاصة شبابهم "زمن الثورة".
فعلا فشلت الثورة لكن تبقى ثورة. و الشعوب تتعلم عادة و اكثر من خيباتها و هزائمها من نجاحاتها.